السيد محسن الأمين
76
أعيان الشيعة ( الملاحق )
يكفر سبحان الله ما أعجب هذا الجهل ثم استشهد بان أصحاب رسول الله ( ص ) قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون الشهادتين ويصلون ويؤذنون ( قال ) فان قال إنهم يقولون إن مسيلمة نبي قلنا هذا هو المطلوب إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان والصلاة فكيف بمن رفع شمسان ويوسف أو صحابيا أو نبيا في مرتبة جبار السماوات والأرض كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( قال ) وبنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمن بني العباس كلهم يشهدون الشهادتين ويدعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه اجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وان بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين ( قال ) وإذا كان الأولون لم يكفروا الا انهم ( كذا ) جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن وانكار البعث وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب باب المرتد وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه وذكروا أنواعا كثيرة كل منها يكفر ويحل دم الرجل وماله حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو على وجه المزج واللعب ( قال ) والذين نزل فيهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ كفرهم الله تعالى بكلمة مع أنهم في زمن الرسول ( ص ) يجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون والذين نزل فيهم : ( قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ) كانوا مع رسول الله ( ص ) في غزوة تبوك وقالوا كلمة ذكروا انهم قالوها على وجه المزح فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم تكفرون المسلمين أناسا يشهدون ان لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق ( واستدل أيضا ) بما حكاه الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم انهم قالوا لموسى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ وقول ناس من الصحابة اجعله لنا ذات أنواط « 1 » فحلف ( ص ) ان هذا نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلها ( ثم قال ) وللمشركين شبهة أخرى يقولون أنكر النبي ( ص ) على اسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ( وقال ) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأحاديث أخرى في الكف عمن قال لا إله إلا الله ( قال ) ومراد هؤلاء الجهلة ان من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل ( وأجاب ) بان اليهود وبني حنيفة والذين حرقهم علي بن أبي طالب يقولون لا إله إلا الله وهؤلاء الجهلة يقولون من جحد شيئا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها فكيف إذا جحد التوحيد قال ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث ( فاما ) حديث أسامة فإنه قتل رجلا ادعى الإسلام لظنه أنه ما ادعاه الا خوفا والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك وأنزل الله تعالى في ذلك : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ) أي تثبتوا ولو كان لا 76 يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى وكذلك الأحاديث الأخر ( والدليل ) على هذا ان رسول الله ( ص ) الذي قال أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله وقال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله هو الذي قال في الخوارج أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلا حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم وتعلموا العلم من الصحابة فلم ينفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة انتهى . وقال ابن عبد الوهاب أيضا فيما حكاه عنه الآلوسي في تاريخ نجد : الكفر نوعان مطلق ومقيد فالمطلق أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول ( ص ) والمقيد أن يكفر ببعضه حتى أن بعض العلماء كفر من أنكر فرعا مجمعا عليه كتوريث الجد والأخت وان صلى وصام فكيف بمن يدعو الصالحين ويصرف لهم خالص العبادة ولبها وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة ( إلى أن قال ) فتشبيه عباد القبور بأنهم يصلون ويصومون ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على العوام وتلبيس لينفق شركهم ويقال بإسلامهم وإيمانهم ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون انتهى . ( والجواب ) ان انكار شيء مما جاء به النبي ( ص ) بعد العلم بأنه جاء به لكونه مما ورد في القرآن أو جاءت به السنة القطعية وصار من ضروريات الدين لا ريب في أنه تكذيب للنبي ( ص ) موجب للكفر وإذا وقع من مسلم حكم بارتداده ولا يحتاج إلى الإطالة وإكثار الشواهد عليه من الآيات وغيرها وذكر العلماء باب المرتد وغير ذلك الذي أطال به بدون طائل . انما الكلام في أن الاستغاثة والتشفع والتوسل بالصالحين هل هي موجبة لجحود التوحيد وللرفع في مرتبة جبار السماوات والأرض كما زعم وقد تبين بما شرحناه وأوضحناه في هذا المقام وغيره وفي الفصول المختصة بتلك الأمور انه ليس فيها شيء مما ينافي التوحيد ولا توجب رفع مخلوق إلى مرتبة جبار السماوات والأرض ولا تخرج عن طلب الدعاء ممن يرجى من الله إجابة دعائه لنا لما له من المنزلة عنده باخلاصه في عبوديته . ولما قاس الوهابيون حال المسلمين المستغيثين بالصالحين على حال مشركي قريش فقالوا ان كليهما أقر بتوحيد الربوبية ولكنه تشفع واستغاث وتوسل بالمخلوقين فلم ينفعه إقراره بتوحيد الربوبية وان النبي ( ص ) لم يقاتل عبدة الأوثان الا على استشفاعهم بغير الله رجلا صالحا أو غيره فدل ذلك على أن الاستشفاع عبادة وعبادة غير الله شرك كما صرح به ابن عبد الوهاب في كلماته السابقة توجه عليهم حينئذ اعتراض بعض أهل الأحساء بان هذا قياس مع الفارق فمشركو قريش لا يشهدون الشهادتين ويكذبون الرسل والقرآن وينكرون البعث وهذا هو الذي أوجب كفرهم وأحل قتالهم ونحن نقر بذلك كله فبطل القياس نعم لو كان الصادر من الأولين مجرد الاستغاثة والاستشفاع وتعظيم القبور كان القياس صحيحا ولكن الصادر منهم غير ذلك مما يوجب الكفر والشرك ولا ينفع الجواب بان من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء كفر الذي لا ينكره أحد . ومن ذلك تعلم أن قوله سبحان الله ما أعجب هذا الجهل لا ينطبق الا عليه خاصة . وان قوله كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ليس أحد أولى به منه . ومع كون الشواهد التي استشهد بها وأطال بذكرها لا حاجة إليها بل هي تطويل بلا طائل أكثرها غير صحيح في نفسه كدعواه ان
--> ( 1 ) روى الترمذي عن أبي واقد الليثي خرجنا مع رسول الله ( ص ) إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ( ص ) الله أكبر انها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ الآية لتتبعن سنن من كان قبلكم .